التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة بالحسنى

 


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الدعوة بالحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني دفع الناس إلى الدين بالعصا، فالناس لا يمكن أن تجبر على الإيمان، فإنما الإيمان في القلب، والعواطف لا غصب عليها، فهي مكنونة لا تظهر، ولا يد لأحد فيها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ". فتح الباري شرح صحيح البخاري» كتاب المناقب» باب ذكر قحطان، صحيح مسلم» كتاب الفتن وأشراط الساعة» باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء

وهذا الحديث لا يحث على أن تقاد الناس بالعصا، فقد يكون الدفع بالعصا مكروها، وذلك بأن القحطاني الذي يقوم بذلك يكون من أشراط الساعة الصغرى، فقد تكون تلك العصا فتنة ينذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها.

لقد بدأ الدين غريبا وكانت الدعوة هي الأداة التي بَنَتِ الدين، ولم تزل سلاحه الأقوى في الإيمان والإصلاح.

عَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: "يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ". قَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا مُرْسَلٌ خَالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. سنن أبي داود» كتاب اللباس» باب فيما تبدي المرأة من زينتها، 4104

وهذا حديث ضعيف، إلا أنه يدل على فضيلة وهي دعوة الناس للطاعة، لا أن يقادوا إليها بالعصا، وقد يكون في ذلك صحة جماعة المسلمين، وأن طاعتهم دليل إيمانهم، وأن الجماعة لا تظهر بشكل المؤمنين، إلا أن محتواها قد يخالف الإيمان والطاعة، كما أن معاملة الناس بالحسنى من الفضائل.

وكذلك هو يندرج تحت أصل أن الدين يدعو الناس للطاعة لا يسوقهم بالعصا إليها، وقد أقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجتمع من المؤمنين القائمين بالحق، ولم يكونوا من الكذبة كأن يكونوا من الطامعين في المال والسلطة.

ولقد جوَّز بعض العلماء التساهل في الأسانيد ورواية غير الموضوع من أنواع الحديث الضعيف من غير بيان ضعفها فيما سوى العقائد والأحكام الشرعية كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب.

ومن شروط قبول الضعيف شرطين فقط: كونه في الفضائل ونحوها، وألا يشتد ضعفه، وبقي عليه شرطان: أن يندرج تحت أصل معمول به، وألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.

وأصل هذا الدين الدعوة، والناس تندفع في طريق الهداية بإيمانها، وهم يرغبون ما عند الله تعالى من نعيم، ويحذرون عقابه، والمؤمنون يبتغون رضا الله تعالى عنهم، ونوره ينير صدورهم وحياتهم، ....

يقول تعالى: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)". النحل

وإن كان الدين دعوة إلا أنه أمر الأب بأن يجر أهله للجنة، ويمنع النار عنهم، فيأمرهم بالطاعة، وينهاهم عن المعصية، ويقف حائلا بينهم وبين ما حرّم الله تعالى، ويحملهم على ما أمر الله تعالى به، يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)". التحريم

ولعل غلظة الملائكة خزنة النار تذكر الأب بأن غلظته على أهله أهون من غلظة الخزنة، وأن عقوبته لهم أهون من عذاب النار.

خطب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فكان مما قال: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم. مسند أحمد، مسند الخلفاء الراشدين مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حديث رقم: 286

فالناس لا تضرب فإن في ذلك ذلّا، وقد يكون داخلا تحت ذلك أنها لا تضرب وإن كان سبب الضرب أن تدفع لطاعة الله سبحانه وتعالى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى

  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها  باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى  بسم الله الرحمن الرحيم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ...."، وقال من هذه الخمس: "وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". سنن ابن ماجه» كتاب الفتن» باب العقوبات، 4019 ولقد توقفنا مع هذه الآية في سورة المائدة التي يقول تعالى ذكره فيها: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُ...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثاني)

  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها  باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثاني) وإن من أصحاب الدنيا الذين قد يجتمع لديهم المال والسلطان من يغلب عليه الهوى، ومثل هؤلاء الأشراف الذين أتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجدوه جالس مع فقراء من فقراء الصحابة، فطلبوا إليه أن يصرفهم حتى يجلسوا هم معه، ولعل هؤلاء الفقراء أثقل منهم في ميزان المولى، وهذا شأن من يغلب عليه الهوى، فلا يتبع الطريق المستقيم، ولا يدرك ما يميز الرجال صدقا وحقا. ويرد ذلك عند قول الله تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)". الكهف ورد في تفسير الطبري: عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في بعض أبياته "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَد...

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثالث)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر   كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها  باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثالث) ونحن نعيش عالم تسوده الأهواء، ابتعد الناس فيه عن هدي السماء، واتبعوا دعوات اغْتَرَّت بالدنيا، ونست هُدَى الله تعالى ووعده ووعيده، والناظر الناقد يدرك ما أصاب هؤلاء من بؤس وعذاب بابتعادهم عن الطريق المستقيم واتِّباعهم الهوى. ويُروى عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة". صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار. ففي هذا الحديث الشريف قد تكون الإشارة إلى هاتين الفئتَين العظيمتَين يقصد بهما الشيوعية والرأسمالية، والمقتلة العظيمة بينهما هي الحرب الباردة، وقد تكون دعوى هاتين الفئتين واحدة، فكلاهما يدعو للغنى والتمتع بالحياة الدنيا؛ ففي الشيوعية؛ يسعى النظام لتحقيق وفرة في الإنتاج تغطي حاجات الجميع، ولن يكون هناك حاجة للملكية إذ أن الوفرة تغطي الحاجة، فليس هناك أي سبب للغنى والمال الزائد في أيدي بعض الناس، ونفي الملكية...