الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها
باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى
بسم الله الرحمن الرحيم
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ...."، وقال من هذه الخمس: "وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". سنن ابن ماجه» كتاب الفتن» باب العقوبات، 4019
ولقد توقفنا مع هذه الآية في سورة المائدة التي يقول تعالى ذكره فيها: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)". ويستمر الحديث؛
وهذا التنزيل يفتح الباب أمام الحق ويثبت الناس في طريق الهدى، فالذي يتبع شرعا يظن فيه الصواب، ليس كمن هو يريد الحق وهو يدركه فيما أنزله الله تعالى، شتان بينهما، رجل قد يتذبذب وتزلّ قدمه، ورجل ثابت يرفع راية الحق، إذ أنه أدركه من عند الله تعالى، وهو لم يزل يعلو في درجات هذا الطريق، ويجد فيه واحات الأمان يدخلها من عواصف الفتن.
ولكن الإنسان يضل عن طريق المولى جل وعلا ويتبع هواه، فيضل عن الحق، فهو يتبع هواه ويغرق في الفواحش والمنكرات، ويظن أن في ذلك صفاء البال ورضا القلب، ويتبع هواه ويظن في رأيه الصواب ولو كان مخالفا لحكم الله، وما أنزل من الشرع فيه النجاة والسلامة والأمن.
وهذا الهوى هو كمثل بقية المعاصي ينشأ عن ميل الإنسان وزيغه، فليس الضلال في اتباع الشهوات فقط، فهناك الآراء الفاسدة التي تخرج من نفس قد تكون متمردة على الحق.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وإِعجابُ المرْءِ بنفْسِهِ". المعجم الأوسط، باب الميم، من اسمه محمد، محمد بن عبد الله الحضرمي، 5750
وفي هذا الحديث الشريف يبين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجها من وجوه الهلاك، وهو: الشح المطاع أي: البخل وإمساك اليد، ولكن هذا البخل ليست صفة سيئة وحسب، فإن البخيل قد يخرج صدقته، ولكن هذا البخل هو التمسك بالمال حينما يعتد البخيل أن المال ملكه، وينكر فضل الله عليه، وهو قد يرى الناس من حوله في حاجة، وهو لا يعطيهم حقهم، ولا يعينهم بما تفضل الله عليه، كمثل قول قارون: "إنما أوتيته على علم عندي"، وهذا هو الشح المطاع.
والذي يرافقه الهوى المتبع، إذ أن هذا البخيل لديه تَوَهُّمَات أن يده وعلمه هما من كسبا المال، وهو لا يدرك أن الله هو الرزاق وأن المال لله، وكما يبين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن من هذه الثلاث المهلكات: اعتداد المرء بنفسه، فهو يظن أن مذهبه صادقا ولكنه كاذب.
وفي يومنا نحن نعيش أزمة في العملة الصعبة، ولعل الذي يجعل الحكومة تتمسك بموقفها من مساندة قيمة الجنيه المصري، أن الدولة تقوم بتوفير الدواء والغذاء، فإذا تم تحرير قيمة الجنيه، دون أن تدعم الدولة عملتها، فإن ذلك قد يقود لانخفاض قيمة العملة، مما يرفع أسعار الدواء والغذاء، وإن المتأثر بذلك هم الفقراء، لذلك تتمسك الدولة بموقفها في دعم قيمة عملتها.
ولكن تواجه الدولة الضغوط ممن يقولون بأن الموارد تتآكل وتستنزف بسبب دعم الدولة لعملتها، وهنا السؤال: ألا يدركون أثر انخفاض قيمة العملة! أم هم لا يبالون بالفقراء! وإن كان موقف الدولة قويا، فلم يتمسكون بموقفهم من ضرورة تحرير العملة!
ولقد أخبر المولى سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل في قوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)". البقرة.
فبنو إسرائيل اتبعوا أهوائهم، ولم يتوقفوا عند الإنكار، بل استكبروا بضلالهم، وكذبوا فريقا من المرسلين، وقتلوا فريقا آخر، والحق ظاهر يدركه الإنسان، فلقد أوتي سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ الكتاب، وفيه العلم والعبرة والحكمة والحكم والشريعة، وأرسل الله من بعده رسلا على سبيله ومنهجه، ولقد أوتى المسيح عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ معجزات ظاهرة ليست سحرا أو خداعا، وأيده الله بروح القدس، وهذا كله من تأييد المولى عز وجل، وهذا من باب الحق، وأولى ببني إسرائيل لما جاءهم كل ذلك أن ينفوا الهوى من قلوبهم ويتبعوا الحق الذي يجد الإنسان فيه الصدق، إلا أنهم استكبروا بباطلهم.
ويقول تعالى: "وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)". الأنعام
ورد في تفسير ابن كثير: ثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة، من استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: "وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين" أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.
ومن اتباع الهوى أن يترك العبد طريق المولى، فلا يتقرب إليه، يرجو رحمته ويخشى عذابه، بل يُغْرِق نفسه في طريق العصيان، ويظن فيه السعادة، يقول تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)" الكهف
فإن الله تعالى يأمر نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصبر نفسه، أي يحصنها من المعاصي، ويبقيها في سلام الطاعة وسكينتها، ويحسن بالإنسان أن يأتي طاعة موله مع جماعة المؤمنين، كما أمر الله تعالى نبيه أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، أي يبتغون من ذلك رضا المولى وكرامته.
وعلى النقيض هؤلاء الذين يتبعون الهوى، وفي تفسير الطبري معنى "واتبع هواه": وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، فعلى النقيض من الطاعة المعصية، فبدل مداواة النفس بالصلاة والذكر، يشربون الخمر ويتناولون المخدرات.
وكذلك فإن الدنيا تشغل عن الآخرة، ولكن صاحبها منشغل بها متقلب في أحزانها، بل وقد تضره مسراتها، فعن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: "أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ". سنن الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب منه.
فالغنى يسبب القلق على المصالح، ولابد من الاقتصاد في الطعام والشراب، وكثرتهما قد تضر بالإنسان، وسبحان من رزق الإيمان، ونفع بها نفعا صافيا لا ضرر فيه.
فالهوى يعني مخالفة أوامر الله تعالى وإتيان نواهيه، سواء في الشرع أو الأخلاق أو المعاملات، ويظن صاحب الهوى فلاحه، وقد تجده من الهالكين.
تعليقات
إرسال تعليق