الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثاني)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها
باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثاني)
وإن من أصحاب الدنيا الذين قد يجتمع لديهم المال والسلطان من يغلب عليه الهوى، ومثل هؤلاء الأشراف الذين أتوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجدوه جالس مع فقراء من فقراء الصحابة، فطلبوا إليه أن يصرفهم حتى يجلسوا هم معه، ولعل هؤلاء الفقراء أثقل منهم في ميزان المولى، وهذا شأن من يغلب عليه الهوى، فلا يتبع الطريق المستقيم، ولا يدرك ما يميز الرجال صدقا وحقا.
ويرد ذلك عند قول الله تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)". الكهف
ورد في تفسير الطبري:
عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في بعض أبياته "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" فخرج يلتمس، فوجد قوما يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، فقال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لي فِي أُمَّتِي مَنْ أمرني أنْ أصبِرَ نَفْسي مَعَهُ".
وهذا هو شرف الفقير الطاعة والذكر، وهذا هو ماله الذي يتعيش به في جنان المولى الذي جعلها الله في الدنيا، ومفاتيحها في يد الصالحين، فإن كان فقيرا فالطاعة والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح الرشيد، وإن كان غنيا فالنفقة وأداء الحقوق، وإن كان من ذوي السلطان فالعدل والإصلاح.
ومعنى "اصبر نفسك": أي استمر على الذكر واصبر عليه، وفيه شفاء النفس وزكاتها، وراحة القلب واطمئنانه.
ونستمر مع التفسير:
وقوله: "تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تعدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر، وذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتاه فيما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم: بل من عظماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام، فرأوه جالسا مع خباب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا، قالوا: فهمّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عليه: "وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ"، ثم كان يقوم إذا أراد القيام، ويتركهم قعودا، فأنـزل الله عليه: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ" الآيَةَ. "وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" يريد زينة الحياة الدنيا: مجالسة أولئك العظماء الأشراف.
وما يشغل عن ذكر الله تعالى والعمل الصالح هي الحياة الدنيا واتباع الهوى والعصيان، فهم فريقان مختلفان: فريق رفعه الله بذكره وطاعته رغم فقره، وفريق أحط الله قدره لَمّا انشغل عن ذكره واتبع هواه وشأنه ضياع.
ويرد في التفسير: وقوله: "وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ".
أغفلنا قلبه عن ذكرنا: بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هواه: وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، وهم فيما ذُكر: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم.
"وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" معناه: وكان أمره ضياعا.
وهذا هو موضع الشاهد أن اتباع الهوى يعني مخالفة شرع الله جل وعز، وترك أمر الله تعالى ذكره ونهيه، وذلك شأن الضائعين المضيِّعين الذين لا يداومون على الذكر، ولقد اتبع هؤلاء الأشراف الهوى حين طلبوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصرف الفقراء، وذلك من الباطل، ولو أدركوا الحق لعرفوا أن الفقر والمظهر لا يقضيان في حق الرجل.
والذكر فيه الشفاء، ومن اتباع الهوى الظن بأن الخمر والمخدرات فيهما راحة النفس ولذتها، لما في ذلك من الانتشاء، ولكن المؤمن لا يستبدل بالقرب من الله تعالى أي شيء آخر، وفي هذا البديل من الخمر والمخدرات الهلاك وشدة الضرر.
تعليقات
إرسال تعليق