الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثالث)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها
باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الثالث)
ونحن نعيش عالم تسوده الأهواء، ابتعد الناس فيه عن هدي السماء، واتبعوا دعوات اغْتَرَّت بالدنيا، ونست هُدَى الله تعالى ووعده ووعيده، والناظر الناقد يدرك ما أصاب هؤلاء من بؤس وعذاب بابتعادهم عن الطريق المستقيم واتِّباعهم الهوى.
ويُروى عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة". صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب خروج النار.
ففي هذا الحديث الشريف قد تكون الإشارة إلى هاتين الفئتَين العظيمتَين يقصد بهما الشيوعية والرأسمالية، والمقتلة العظيمة بينهما هي الحرب الباردة، وقد تكون دعوى هاتين الفئتين واحدة، فكلاهما يدعو للغنى والتمتع بالحياة الدنيا؛
ففي الشيوعية؛ يسعى النظام لتحقيق وفرة في الإنتاج تغطي حاجات الجميع، ولن يكون هناك حاجة للملكية إذ أن الوفرة تغطي الحاجة، فليس هناك أي سبب للغنى والمال الزائد في أيدي بعض الناس، ونفي الملكية يعني زوال الفوارق الاجتماعية بين المالكين والعمال.
وكذلك تسعى الشيوعية إلى استخدام التكنولوجيا لتقليل عدد ساعات العمل.
وهذا من الهوى إذ أنه لا ينظر للحقيقة، فالفقر لن يختفي ولابد من الاهتمام بالفقراء، وكذلك فإن الله تعالى يوزِّع الأرزاق، فيبسط رزقه على أناس، ويضيقه على آخرين، كذلك لابد من بذل المجهود في العمل، مع العلم بأن الذي يضر بالإنسان هو سعيه المفرط في سبيل الحياة الدنيا.
أما عن الرأسمالية وهي الأخرى تسعى للدنيا، فهناك شاهد على ذلك، والذي ورد في إعلان الاستقلال الأمريكي: "السعي لتحقيق السعادة"، وهي عبارةٌ شهيرة وردت في هذا الإعلان.
ولعل الذي يسعد الإنسان حقا هي الطاعة، وعيشه في كنف ربه، وبهذا ينال السعادة في الدنيا والآخرة، وليست هناك سعادة مع الموبقات والفواحش، وقرار القلب وقرة العين في الطاعة، وحين ذلك قد يتلذذ الإنسان بما أحله الله من زينة الدنيا والطيبات من الرزق، يقول تعالى في سورة الأعراف: " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)".
فلقد دلنا الله تعالى على طريق السعادة في الدنيا وهو الإيمان، وبدونه فلا سعادة.
ولكن شرعنا الحنيف جعل للفقراء حق في أموال الأغنياء، ونهى عن الاغترار بالحياة الدنيا والانخداع بها، وهذا ما يجعل من الغني رجل كريم جواد لا يبخل بالمال، وهذه الزكاة التي هي ركن الإسلام بعد ركن الصلاة، وهذا الكرم والإنفاق الذي يدعو إليه الإسلام كل ذلك هو ما يقي مجتمع المسلمين من الجريمة وسفك الدماء وإباحة الأعراض.
وأصحاب الدنيا قد يبخلون بما لديهم على غيرهم، فدعوة الشيوعية والرأسمالية إلى الدنيا دعوى ناقصة، أما دعوى الإسلام فهي تحثُّ على العمل الصالح، والتوكل على الله في طلب الرزق، كما أن المسلمين يعلمون أنما أنفسهم وأموالهم لله، فهذه الزكاة حق للفقراء، وليست تفضلا منهم.
ففي الإسلام مأوى لكل من لا يجد مأوى، ومطعم لكل من لا يجد طعاما، وكساء للعريان، وغطاء من البرد، وأما من لا يفقه كل ذلك من الأمم التي تضل بهواها، فقد تجد أن الجريمة والفحشاء تنتشر بينهم.
فقبل الدعوة للدنيا لابد من الدعوة للخير والإحسان، وكأن الدعوة للدنيا هي دعوة للبخل والشحّ، وفي المجتمع الذي ينتشر فيه الحرص على الدنيا والبخل بها؛ لن يجد الجائع طعاما، ولن يجد الفقير من يقف بجواره، وهنا قد يقتل الجائع من أجل المال، وتستحل المحارم من أجل الطعام والشراب، فقد تتنازل المرأة عن شرفها لتجد مالا تشتري به حاجتها الأساسية.
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ". صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم
فالشح أو البخل فيه الهلاك، وقد يكون المقصود بالشح هنا هو كنز المال وعدم إخراج الزكاة، فبدون الزكاة سينتشر الجوع والتشرد وغير ذلك، وذلك هو الطريق إلى سفك الدماء وإباحة الأعراض.
وإذا تناولنا هذه المذاهب الضالة سنجد مراد الحديث الشريف متحقق فيهما؛
فهذه المذاهب الضالة لم تحقق ما وعدت به، وهذا شيء مما خلفه النظام الشيوعي في روسيا:
هذا النظام الشيوعي لم يحقق الوفرة، حتى أنه لم يقض على الفقر، ومن الأمثلة التي تقول بذلك أنه أمام أحد أديرة موسكو تتكدس طوابير الروس حيث تقدم جمعية خيرية طعاما مجانيا للمحتاجين، وتقول المرشدة الاجتماعية لدينا نحو 30 إلى 40 شخصا في اليوم.
وتقول إحدى العجائز إنها لم تعد تتسوق وباتت تعتمد على الحصص الغذائية المجانية، وأفادت المرأة المتقاعدة: لم يعد بالإمكان شراء أي شيء.
لا تملك السلطات شيئا تقدمه للأشخاص غير الراضين عن سياساتها.
أما إذا تحدثنا عن الرأسمالية، فسنجد أنها لم تقض على الفقر، والمثال على ذلك أمريكا؛ الفقر في أمريكا؛
معدل الفقر بلغ 11.5 بالمئة في عام 2022، وتظهر البيانات أن 37.9 مليون شخص عانوا من الفقر في عام 2022.
وزادت جائحة كورونا ومن بعدها أزمة أوكرانيا نسب حالات انعدام الأمن الغذائي في الولايات المتحدة بمعدلات عالية، حتى بات آلاف الأشخاص يصطفون أمام بنوك الطعام في الولايات الأميركية، ما استدعى الرئيس الأميركي جو بايدن لإعلان الحرب على الجوع.
وقد تجد أن من أسباب ضياع الأعراض الجوع، وهذا نقل عن الدعارة في روسيا:
تعتبر الدعارة غير قانونية في روسيا، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في مكافحة الدعارة، فإن الدعارة لا تزال شائعة في بعض المناطق الروسية، وتواجه الحكومة صعوبة في السيطرة عليها.
وهذا حديث عن الدعارة في أمريكا؛
أفاد استطلاع أجري عام 2004 أن 15% من جميع الرجال دفعوا ثمن الجنس و30% من الرجال غير المتزوجين فوق سن 30 عامًا دفعوا ثمن الجنس.
وقد يكون في قولهم "دفعوا ثمن الجنس" إشارة إلى الدعارة، بينما قد يكون الجنس موجود بصور أخرى غير الدعارة كمثل العلاقات خارج إطار الزواج.
أشار تقرير صدر عام 2012 إلى أن هناك ما يقدر بمليون عاهرة في الولايات المتحدة.
وبسبب ضياع حق الفقراء تنتشر الجريمة، الجريمة في أمريكا؛
يفكر أكثر من ربع مليون من سكان مدينة سياتل الكبرى في الولايات المتحدة في المغادرة بسبب ارتفاع الجريمة، وتسجيلها أعلى نسبة في البلاد.
وفي واشنطن ارتفعت معدلات الجريمة، مع تزايد جرائم القتل والسرقة، وارتفعت جرائم القتل من 126 في عام 2022 إلى 161 في عام 2023.
ومثل ذلك روسيا حيث تتواجد الجريمة؛
أوضح مكتب المدعي العام أن العدد الإجمالي السنوي للجرائم بلغ ما بين 1.8 مليون و1.9 مليون منذ 2017.
فكأن هاتين الفئتين المتقاتلتين دعوتهما واحدة حقا، وعواقب الدعوتين متشابهة، والحرص على الدنيا والبخل بها يحقق ما ورد في الحديث الشريف من سفك الدماء وإباحة الأعراض.
تعليقات
إرسال تعليق