الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
التخفيف في الحدود الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
والحدود تدفع بالشبهات، وهو مما يدل على التخفيف فيها كذلك، ومما ورد في درء الحدود بالشبهات ما روي عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ". سنن الترمذي» كتاب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» باب ما جاء في درء الحدود، 1424، ضعيف
ذكر المباركفوري في شرح الترمذي: وَمَا فِي الْبَابِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ الْمَعْرُوفُ فَقَدْ شَدَّ مِنْ عَضُدِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَيَصْلُحُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ لَا مُطْلَقِ الشُّبُهَاتِ.
والشبهات المحتملة قد تكون غير أكيدة الدلالة على نفي التهمة، إلا أنها تعتبر مخرجا، ويخرج بها من أصاب الحد وإن لم تقم له شبهة سلسة قد تدل على براءته...
ويرد عند المباركفوري كذلك في شرح هذا الحديث؛
قَالَ الْقَارِي: قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ هذا الْخِطَابَ لِلْأَئِمَّةِ، يرشدهم أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الْحُدُودَ بِكُلِّ عُذْرٍ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ كَمَا وَقَعَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَاعِزٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ تَلْقِينِ الْأَعْذَار، أما عَامَّة الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهم مَأْمُورُونَ بِالسَّتْرِ مُطْلَقًا. تحفة الأحوذي» كتاب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» باب ما جاء في درء الحدود، 1424، وهو حديث الترمذي السابق
ومما يدل على التخفيف أيضا قوله تعالى: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)". ص
ورد في التفسير: وقلنا لأيوب: خذ بيدك ضغثا، وهو ما يجمع من شيء مثل حزمة الرُّطْبة، وكملء الكفّ من الشجر أو الحشيش والشماريخ ونحو ذلك مما قام على ساق.
قوله: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ" قال: أمر أن يأخذ ضغثا من رطبة بقدر ما حلف عليه فيضرب به.
وكذلك مما جاء في تخفيف الحدود؛
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَيَّ خَمِيصَةٌ لِي ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا! أَنَا أَبِيعُهُ، وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا، قَالَ: "فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ". سنن أبي داود» كتاب الحدود» باب من سرق من حرز، 4394
فقطع اليد أو أحد أعضاء الجسم لهي كبيرة في نظر كل إنسان، ولقد دعت عظمة هذا الحد الذي هو بالقطع دعت الصحابي أن يعفو عن السارق، وكانت كلمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "ألا كان ذلك قبل أن تأتيني" كانت هي دليلا يرشد المشرعين والقائمين على شأن العدالة كيف يتصرفون في سن قوانينهم وإصدار لوائح إجراءاتهم بما يتماشى مع جاء في السنة المشرفة بالتخفيف والعفو.
ورد في كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ روايات أخرى في شأن إقامة الحدود ترشد المشرعين، وهي؛
عن يحيى بن راشد ـ رحمه الله ـ قال: "جلسنا يوما لابن عمر، فخرج إلينا، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "من حالت شفاعته في حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله عز وجل، ...." 1928، قال المحقق إسناده حسن
الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ لقي رجلا قد أخذ سارقا، وهو يريد أن يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به السلطان، فقال الزبير: إنما الشفاعة قبل أن تبلغ إلى السلطان، فإذا بلغ إليه فقد لعن الشافع والمشفِّع". أخرجه الموطأ. 1929
ورد الحديثان متواليان في المرجع السابق صفحتي 510، 511، وصاحب الكتاب معروف بابن الأثير الجزري، تحقيق أيمن صالح شعبان، الجزء الثالث، طبعة دار الكتب العلمية.
وذكر المحقق في حاشيته أن الإمام الزرقاني قال: وقد روى الدار قطني عن الزبير مرفوعا: اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا، فلا عفا الله عنه.
ويرد في هذه النقطة ما يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: "قال تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان، 4376
وهذا يدل على أن الحدود ليست سيوفا، وقد رفعت، تنتظر خطأ الناس لتعاقبهم، بل إنها نزلت فيها الرحمة؛ فهي كفارة، وهي تدرأ بالشبهات، وقد وضع الشارع ميعادا للشفاعة فيها، أي تحل الشفاعة فيها ولكن بشرط...
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن القانون يعتبر تقديم أو تناول المشروبات الروحية أو الكحولية أو المخمرة بالأماكن العامة أو المحال العامة يعتبرها جريمة.
ويستثني من هذا الحكم؛ الفنادق والمنشآت السياحية المحددة طبقا لأحكام القانون، والأندية ذات الطابع السياحي التي يصدر بتحديدها قرار من وزير السياحة.

تعليقات
إرسال تعليق