الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
التخفيف في الحدود، الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحدود في الإسلام ليست سيوفا على رقاب الناس، ولكنها شرعت كفارة لصاحبها، وهذا يدل على أن ولاية جماعة المسلمين ممثلة في إمامهم تمتد إلى الأفراد أصحاب الكبائر لتصلح من شأنهم، ولما أرشد الشارع إلى التخفيف على من يصيب الحد كان من باب أولى الوقوف ضد كل ما يقرب من الموبقات والفواحش بين المسلمين، ورفع كل ما يدعو لخُلُق وفضيلة، فينصلح حال الجماعة بصلاح أفرادها وتقواهم.
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ". فتح الباري شرح صحيح البخاري» كتاب الحدود» باب الحدود كفارة، 6402
وهذه هي الحكمة من وراء الحد، وهي أنه كفارة لصاحبه وطهارة له، ولا يعني ذلك ألا توبة إلا بالحد، بل إن الله تعالى قد يستر ويغفر، وهو الغفور الرحيم.
والستر فضيلة أمر الإسلام بها، وهي كذلك من باب التراحم والتخفيف، ويرد عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". صحيح البخاري» كتاب المظالم» باب لا يظلم المسلم المسلمَ ولا يسلمه، 2310
فالذي يستر المسلم يستره الله تعالى يوم القيامة، وللناس ربّ يأخذهم بالحسنة والسيئة، ويَرَغِّبُهم ويُرْهِبُهم، وهو سبحانه بهم عليم خبير، والله أولى بالناس من غيره، وهو النور الهادي، فاستر الخلق، وادع لهم بالهداية.
ومن أبرز الأدلة التي تعظ بالتخفيف في الحدود؛
عن يَزِيد بْن نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنْ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ، حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مِرَارٍ، قَالَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَبِمَنْ؟" قَالَ: بِفُلَانَةٍ. فَقَالَ: "هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "هَلْ بَاشَرْتَهَا؟" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "هَلْ جَامَعْتَهَا؟" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَأُخْرِجَ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ، فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزِعَ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ، فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ". سنن أبي داود» كتاب الحدود» باب رجم ماعز بن مالك، 4419
وشاهدنا الذي يدل على التخفيف في الحدود هو المقولة الأخيرة التي قالها النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ، فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
فهذا الذي زنا ندم، ولم يتوقف به الأمر عند التوبة، بل اعترف بما صنع، وأراد أن يعود لحظيرة الإيمان، ويخرج من دنيا الإثم والعصيان، وقد تجد أن الذين طابت قلوبهم وتَزَكَّت نفوسهم لا يستطيعوا أن يعيشوا في دنيا الإثم، وهؤلاء مأكلهم ومشربهم الطاعة والإيمان، فأراد التائب أن يتطهر، إلا أن الرجم كان شديدا عليه، فلم أراد أن يخرج منه قتله أحد الصحابة، إلا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو رسول الرحمة، أعلن للناس أن لو تركوه لعله يتوب، فيتوب الله عليه.
إذاً فالقاعدة هي التوبة والطهارة، وسبيل ذلك ليس ألم العقوبة فحسب، بل إن الله تعالى يتوب ويرحم، بل ويتوب على من يصيب الحدود، وإن كانت هذه الحدود هي كبائر المعاصي.
وفي ذلك لا ننسى أن نقول إن انتشار المظالم والفتن والفواحش والموبقات لهو هلاك الناس جميعهم، ويهلك بالعصيان الطائعون مع الفجرة، ولا يستثنون، فأجدر بجماعة المسلمين أن تقف في وجه كل مظهرٍ رذيل وتعلى كل خلق نبيل، وإمامها في ذلك يجري العقوبات ويعزر الجناة، وإقامة الدعوة إلى الله تعالى وإلى صراطه المستقيم لهي خير ما يقف في وجه انهيار المجتمع.
وقد ورد عن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا". فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، 2361
فلابد من الأخذ على يد الفجرة والجناة، وترغيب العصاة وترهيبهم، والدعوة لله تعالى ودينه، وفي ذلك نجاة السفينة بكل ما فيها، وهذا لا ينفي ما ورد في التخفيف على من يصيب الحدود، وأن توبته قد يقبلها الله تعالى دون أن يقام عليه الحد.

تعليقات
إرسال تعليق