الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها، البلية الثانية: نقص المكيال والميزان
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها، البلية الثانية: نقص المكيال والميزان
بسم الله الرحمن الرحيم
وهذه البلايا تقول لما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضرورة، وأن هذا الخُلُق به يقوم الناس وينهضوا، ومن غيره تنتشر البلية وتكثر المصائب.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". سنن ابن ماجه» كتاب الفتن» باب العقوبات، 4019
والآن نتحدث عن قوله ـ صلى الله عليه وسلم: "وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ": أي أنهم لما كفروا بنعمة الله تعالى الذي رزقهم زالت النعمة، ومُحِقَت البركة، فهم يريدون المال، ولا يعبؤون بالأمانة، فقد تجد البضاعة القليلة والخدمة اليسيرة السهلة قد ارتفعت أسعارهما، بلا مبرر، فهم لا يعملون عملا يستحقون عليه المكافأة، بل هو مطلب الغنى بأكل الحقوق، ومن تضييع الحقوق الإخلال بالمكيال والميزان، فهو السعي نحو الغنى بما حرمه الله تعالى.
وكأن تأويل هذا الوصف "أخذوا بالسنين، وشدة المؤونة" هو ارتفاع الأسعار، فمعنى أخذوا بالسنين أي بالجدب سنة بعد سنة والقحوط، فتَشِحُّ الأقوات، ويرتفع ثمن ما توفّر منها، فهي قليلة لكن لا غناء عنها.
وعندما يشح المال يجور السلطان، والسبب في ذلك أن عليه أن يقوم بواجبه المهم والحاسم، فرغم شحِّ المال إلا أنه يأخذ نصيبه من هذا القليل ليقيم شأنه.
ورد في تفسير الطبري عند قوله تعالى: "وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)". الأعراف
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد اختبرنا قوم فرعون وأتباعه على ما هم عليه من الضلالة "بالسنين"، يقول: بالجُدوب سنة بعد سنة، والقحوط، يقال منه: "أسْنَتَ القوم"، إذا أجدبوا. انتهى
ومما يردنا في كتاب الله تعالى عن نقص المكيال والميزان قوله تعالى: "وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84)". هود
ورد في تفسير الطبري: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم، وقوله تعالى: "إني أراكم بخير": يعني بخير الدنيا، كمثل المال وزينة الحياة الدنيا، ورخص الأسعار.
وإنما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا في سعة من عيشهم ورخص من أسعارهم، كثيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكاييلكم وموازينكم، فقد وَسَّع الله عليكم رزقكم، وقوله تعالى: "وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط" يقول: أن ينـزل بكم عذاب يوم محيط بكم عذابه. انتهى
فعند نزول العذاب فإن أول الهاربين هم الأغنياء، فعندهم الوسائل التي تمكنهم من الهروب، كما أنهم يحملون أموالهم معهم، إلا أن عذاب مدين هو محيط، فلا مهرب منه، وفي هذا زجر عن إنقاص المكيال والميزان.

تعليقات
إرسال تعليق