الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها، باب ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، الجزء الثاني
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها، باب ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، الجزء الثاني
وهذه البلايا تقول لما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضرورة، وأن هذا الخُلُق به يقوم الناس وينهضوا، ومن غيره تنتشر البلية وتكثر المصائب.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". سنن ابن ماجه» كتاب الفتن» باب العقوبات، 4019
ونحن لم نزل نتحدث عن عهد الله تعالى وعهد رسوله ـ صلى الله عليه وسلم:
يقول تعالى في سورة الأنفال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)".
ورد في تفسير الطبري: عن ابن إسحاق: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة"، يقاتلونكم في سبيل الله، "فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا"، اذكروا الله الذي بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم، "لعلكم تفلحون".
والجهاد هو سبيل الصدق، فقد تجد المؤمنين هم أثبت من غيرهم في ميدان القتال، والذكر ذكر الله تعالى يُهَوِّن البأس ويُطَمْئِن القلب، والذي يبذل دمه في سبيل الله تعالى يجني ثمرة ذلك، فإن الوفاء بالعهد والبيعة يزيد من الطاعة ويَحُثّ على الاتباع، ما ينقلب إلى سلامة في القلب وهناءة في الحياة، وقد تجد أن هذا معنى "لعلكم تفلحون".
والخلاف والنزاع والتشتت سبب للخيبة والهزيمة والضعف، وخير ما يجمع المسلمين هو عهد الله تعالى في قلوبهم ينيرها، ويقربهم بعضهم إلى بعض إخوانا في الله تعالى.
ويرد في نفس التفسير: "وتذهب ريحكم" وهذا مثلٌ يقال للرجل إذا كان مقبلا ما يحبه ويُسَرّ به: "الريح مقبلةٌ عليه"، يعني بذلك: ما يحبه.
ويقول الإمام الطبري كذلك في تفسيره: وهذا تقدُّمٌ من الله جل ثناؤه إلى المؤمنين به وبرسوله، أن لا يعملوا عملا إلا لله خاصة، وطلب ما عنده، لا رئاء الناس، كما فعل القوم من المشركين في مسيرهم إلى بدر طلبَ رئاء الناس. وذلك أنهم أخبروا بفَوْت العِير رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، وقيل لهم: "انصرفوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها!"، فأبوا وقالوا: "نأتي بدرًا فنشرب بها الخمر، وتعزف علينا القِيان، وتتحدث بنا العرب فيها".
ولعل من أبرز ما يسبب الفرقة والخلاف بين المسلمين هم أصحاب الرأي الذين لا يقولونه صدقا وأمانة وإخلاصا، بل قد تجدهم يقولونه رغبة العلو والشهرة والرفعة، وأن يذاع خبرهم على الناس، ويعرفوهم على أنهم أصحاب مكانة وعلم وحكمة، وهذا ما نهانا الله عنه تعالى في الآية الأخيرة من الآيات التي نعلق عليها، يقول تعالى فيها: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)"، وعلى الناظر أن يكون ناقدا، ولا ينساق جاهلا أمام الدعاية، بل إن الأصل والاتجاه هما في رضا الله تعالى.
والعهد رقيب على أفعال الرجل، فهو يسوقه ويقود خطاه، فمتى ما أخلص الرجل، فهو لا يترك جوار الله تعالى ولا جوار رسوله ـ صلى الله عليه وسلم، فهو طائع، ينصر دين الله تعالى وينصر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فإذا احتدمت الأمور، ففي قلب المؤمن الغيرة على دينه، وفيه صدق يجعله يقدم حياته ثمنا لنصرته.
يقول تعالى في سورة النور: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62)".
وهذه الآية الكريمة تخبر عن الولاء في قلوب المؤمنين، الذي يقودهم للالتزام بمقامهم في صفوف المسلمين، في غزو أو صلاة جامعة أو تشاور في أمر يفيد الجماعة.
ويرد في تفسير الطبري: عن ابن جُرَيج، قال: سأل مكحولا الشامي إنسان وأنا أسمع، ومكحول جالس مع عطاء عن قول الله في هذه الآية "وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ" فقال مكحول: في يوم الجمعة، وفي زحف، وفي كلّ أمر جامع، قد أمر ألا يذهب أحد في يوم جمعة حتى يستأذن الإمام، وكذلك في كل جامع، ألا ترى أنه يقول: "وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ".
ولكن الجماعة لا تسلم من الخلل، فيتداخل فيها المنافقون، والذين ضعفت فيهم جذوة الإيمان، فيتخلفوا عن الجماعة حينما تشتد الحاجة لحماية بيضة الدين والدفاع عن بلاده.
يقول تعالى في سورة النور قبل الآية السابقة: "وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)".
ورد في تفسير القرطبي؛ قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم عاد إلى ذكر المنافقين، فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا؛ فنزلت هذه الآية.
ومعنى جهد أيمانهم أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا.
وقال مجاهد: المعنى قد عرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب؛ أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص. انتهى
قلت إن معنى طاعة معروفة أي أن خروجكم هو طاعة معروفة، يدرك المسلم أن عليه أن يخرج مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم، وإن لم يأمره، فالخروج للجهاد من أوامر الشرع التي لا تغيب، كما أن الفرار من الزحف إثم كبير في الإسلام.

تعليقات
إرسال تعليق