الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب خمس من البلايا تهلك الناس، باب ومالم تحكم أئمتهم بكتاب الله (1)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب خمس من البلايا تهلك الناس، باب ومالم تحكم أئمتهم بكتاب الله (1)
وهذه البلايا تقول لما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضرورة، وأن هذا الخُلُق به يقوم الناس وينهضوا، ومن غيره تنتشر البلية وتكثر المصائب.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". سنن ابن ماجه» كتاب الفتن» باب العقوبات، 4019
ونتوقف مع قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يقول فيه: "وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ".
ذلك بأن المظالم لم ترد، فانتشرت البغضاء والسخط، وتطاول الناس بعضهم على بعض يريد كل منهم أن يسترد ثأره، وانتشرت البلايا التي تبدل التقارب بالتباعد، وتبدل بالمحبة العداوة، فكأن هذا مما يجعل بأس الناس بينهم لا على عدوهم.
ولعل أبرز مثال يقول بأن في شرع الله النجاة هو شرع القصاص، ففي القصاص حياة لمجتمع المسلمين، إذ تزول به حرقة أولياء المقتول، فإذا لم ينالوا حقهم بالقصاص كان ذلك حنقا في قلوبهم على الجماعة التي لم تمكنهم من حقهم.
يقول تعالى في سورة البقرة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)".
وقد تجد أن التنويع في قوله تعالى: "الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ" راجع إلى اختلاف نمط الجرائم المرتكبة حسب هذه الأنواع الثلاثة، فالحر يقتل حرا لأسباب معينة، وفي ظروف وملابسات معينة، والحر في وسط الأحرار وقد تجد لهم فيما بينهم معاملات وانفعالات، فلغرض ما يتوفر طبقا لكل هذا قد يقتل الحر الحر، وهو لا يعرف أنثى ولا يتعامل معها ليجد الدافع لقتلها، بينما قد تتوفر الظروف والملابسات والدوافع عند الأنثى لتقتل الأنثى، وهي لا تعرف حرا ولا تتعامل معه لتقتله، وكذلك العبد لا تتوفر له الأسباب ليقتل حرا أو أنثى، بينما قد تتوفر للعبد الأسباب ليقتل عبدا، فلكلٍ وسطه وبيئته التي يرتكب جريمته فيها وسط ظروف وملابسات تختلف من وسط لآخر.
وعن قوله تعالى: " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ"، فقد ورد في تفسير الطبري: عن ابن عباس قال: الذي يقبل الدية ذلك منه عفو، واتباع بالمعروف، ويؤدي إليه الذي عفي له من أخيه بإحسان.
فالذي عفا أتبع عفوه بالمعروف، وأدى الذي عليه الحق الدية، وهو في أدائه متصفا بالجميل والحسنى، وفي ذلك تخفيف من الشدة التي في صدور الموتورين.
ولكن هناك أمر لابد أن يقال في العفو عن الجاني، وهو: ذلك الجاني المعروف بالشر والفساد أو ارتكب جرمه بالفساد والإفساد، فهل يعفى عنه؟! قال الشيخ العثيمين رحمه الله: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ قال: إن العفو إحسان، والإحسان لا يكون إحساناً حتى يخلو من الظلم والشر والفساد؛ فإذا تضمن هذا الإحسان شراً وفساداً أو ظلماً، لم يكن إحساناً ولا عدلاً، وعلى هذا فإذا كان هذا القاتل ممن عرف بالشر والفساد فإن القصاص منه أفضل. ورد ذلك في: الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ العثيمين ج 14، كتاب الجنايات، باب العفو عن القصاص، صفحة 59
وأما قوله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)"، فيعني أن رد الحقوق يريح النفوس ويسكنها بعد توترها، ومعنى رَجُلٌ مَوْتُورٌ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ وَلاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَخْذِ ثَأْرِهِ، وتدل هذه الكلمة على ما تكون فيه نفس هذا الرجل من شدة وعسر، واستشعار للضعف وقلة الحيلة، وكلمة رَجُلٌ مَوْتُورٌ تأتي كذلك بمعنى: عصبي، مشدود، فإن تم القصاص من الجاني أطلق ما فيه من عسر وشدة وكرب، وكذلك لا يتوقف المعنى ـ معنى أن القصاص حياة ـ على ذلك، بل إن الحياة من وراء القصاص تأتي باجتثاث شجرة الثأر والقتل من جذورها، فلا ينتشر الثأر، وتأمن جماعة المؤمنين الصالحة.
وهذا هو الحكم بما أنزل الله، أما الضلال عنه فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ"، أي أن الضلال عن الشرع قد يقودنا إلى عالم مليء بالنزاع، وكلٌّ يريد أن يستخلص حقه بيده، فهو لا يرضى بحكم من ضل عن كتاب الله تعالى، أو كما ذكرنا فإن في شرع القصاص حياة ونجاة ورضا.

تعليقات
إرسال تعليق