التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب: خمس من البلايا تهلك الناس، باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الرابع)



 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كتاب: خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها 

باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الرابع)


الدين الذي أنزله الله تعالى ذكره من السماء عزيز، يجب الإيمان به كله، ويجب على متبعه ألا يستعلي على شيء مما ورد فيه، ولو على كلمة واحدة، واليهود قد ضرب الله بهم المثل في المخالفة رغم علمهم بما أمرهم الله تعالى، فقد أبدلوا الرجم بالجلد والتحميم، ومثلهم لدينا الجماعات التي تعتد بمذاهب غير دين الله تعالى، فيعتبرونها مصدرا تشريعيا وهداية في مسالك الحياة، وإن وافق الدين ما عندهم قبلوه وأذاعوا به، ولكن دين الله تعالى يرتفع فوق كل هذه المذاهب، وما خالفه فنحن نتبرأ منه.

يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)". المائدة

ورد في تفسير الطبري

وقال آخرون: بل نـزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتدّ بعد إسلامه.

عن البراء بن عازب قال: مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيهوديٍّ محمَّم مجلود، فدعا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلا من علمائهم، فقال: أهكذا تجِدُون حدَّ الزاني فيكم؟ قال: نعم! قال: فأنشدك بالذي أنـزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزنى فيكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أحدِّثك، ولكن الرجم، ولكن كثرُ الزنا في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: "تعالوا نجتمع فنضع شيئًا مكان الرجم، فيكون على الشريف والوضيع"، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرجم! فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: أنا أوّل من أحيي أمرك إذ أماتوه! فأمر به فرجم، فأنـزل الله: "لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" الآية.

حدَّث عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: بينا نحن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ جاءه رجل من اليهود، وكانوا قد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن، فقال بعضهم لبعض: إن هذا النبي قد بعث، وقد علمتم أنْ قد فُرِض عليكم الرجْم في التوراة فكتمتموه، واصطلحتم بينكم على عقوبة دونه، فانطلقوا نسأل هذا النبي، فإن أفتانا بما فرض علينا في التوراة من الرجم، تركنا ذلك، فقد تركنا ذلك في التوراة، فهي أحق أن تُطَاع وتصدَّق! فأتوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم إنه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟ قال أبو هريرة: فلم يَرْجع إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى قام وقمنا معه، فانطلق يؤمُّ مِدْراس اليهود، حتى أتاهم فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المدراس، فقال لهم: يا معشر اليهود، أنشُدكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى، ماذا تجدون في التوراة من العُقوبة على من زنى وقد أحصن؟ قالوا: إنا نجده يحمَّم ويُجْلَد! وسكت حَبْرهم في جانب البيت، فلما رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صَمته، ألظَّ يَنْشُدُه، فقال حبرهم: اللهم إذْ نَشَدتنا فإنا نجد عليهم الرجم! فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: فماذا كان أوّلُ ما ترخَّصتم به أمرَ الله؟ قال: زنى ابن عم ملك فلم يرجمه، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومُه فقالوا: والله لا ترجمه حتى ترجُم فلانًا ابن عم الملك! فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم وتركوا الرجم. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: فإني أقضي بما في التوراة! فأنـزل الله في ذلك: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.

قال أبو جعفر: ... غير أن أثبت شيء روي في ذلك، ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ من القول فيه أن يقال: عُنِي به عبد الله بن صوريَا.

وهذا عن اليهود الذين اتبعوا الهوى، والأصل كل الأصل فيما أنزله الله تعالى من السماء، فمن تبع هدى الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أما عن إعمال المنطق، فهو قول ينقصه الكثير، فإنما دين الله هو العلم يدركه الرجل، وبدونه يضل الإنسان.

فالذي يجد في مذهبه شيئا يثبته الدين فعليه ألا يغتر، ولا يظن بذلك أن مذهبه صائب، بل عليه أن يدرك أن الهدى فيما أنزله الله تعالى، وأن دين الله هو ما تُعْرَض عليه كل الكلمات، فما صحّ منها صحّ، وما خالف فهو باطل.

وأن الدين هو طاعة وخشوع وولاء لله تعالى، وحبٌّ لله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللمؤمنين، فالمسلم منغمس في طريقه لا يتفلت منه، لبنة في جماعة المسلمين يتقوى به الجمع، ولا يضعف إيمانه، فلا يكِلّ ساعده عن العمل لرفعة دينه ووطنه.

ولعل مما وافق الدين مما جاءت به ثورة 23 يوليو حقوق المواطنين في ثروات بلادهم، وحقهم جميعا في الاستفادة منها، فالتنعم بنعم الله في الدنيا حق للفقراء كذلك لا الأغنياء فحسب.

يقول تعالى: "مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)". الحشر

ورد في تفسير الطبري

وقوله: "كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ" يقول جلّ ثناؤه. وجعلنا ما أفاء على رسوله من أهل القرى لهذه الأصناف، كيلا يكون ذلك الفيء دُولة يتداوله الأغنياء منكم بينهم، يصرفه هذا مرّة في حاجات نفسه، وهذا مرّة في أبواب البرّ وسُبلُ الخير، فيجعلون ذلك حيث شاءوا، ولكننا سننا فيه سنة لا تُغير ولا تُبدّل.

ومعنى أن أموال الفيء هي حق لهذه الأصناف، وكي لا تكون تداولا بين الأغنياء، معنى ذلك أن الفقراء لهم حقّ في الإنفاق على حاجاتهم، كما ينفق الأغنياء.

وذلك يقول بأن ثورة 23 يوليو التي نادت بحقوق الناس الذين كانوا يعيشون في الفقر، بينما تمتاز طبقة أخرى بالغنى، جاءت على أساس صحيح فلكل الناس حق في العيش الكريم، وكذلك لكل الناس الحق في كل بقعة أو أي بقعة في أوطانهم.

فديننا ينفي الطبقية فكلنا سواسية، ويعطي الفقير حقه في مال الغني، وزاد على ذلك الفيء وغيره من الصدقات، فسكن الفقير المتواضع إن وجد بجانب سكن الغني، فليس هذا من العيب، ونفقة الفقير من المال لا تمنع عنه حقه في الزكاة والفيء، فهو له حق العيشة الكريمة.

فمال الفيء لم يجعله الله متداولا بين الأغنياء لينفقوه على إربهم، وجعله في هذه الأسهم ليجد الفقراء ما ينفقونه على حاجاتهم، كي لا تكون حياتهم بؤسا بل هناك من النعيم ما قد يستحقونه.

وإن هذه الآية لتعلمنا أن الإسلام ينفي الطبقية، ومن ذلك حق كل إنسان في العيش في أي بقعة في وطنه.

وهذا يقول بأن ثورة 23 يوليو وإن كانت قد جاءت بمبدأ الاشتراكية فنحن لا ننفي هذا الذي نادت به من حق الفقراء كما بينا أعلاه، ولكن إذا تحدثنا عن المبادئ التي تنافي الدين، فلابد من تركها والتنويه على كذبها، فالذي يتوافق مع الدين نحن نأخذه، والذي يتنافى معه لابد علينا الابتعاد عنه.

ويجب ألا نكون كاليهود الذين قالوا: "إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا".


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حسبنا الله ونعم الوكيل الجزء الرابع

  حسبنا الله ونعم الوكيل الجزء الرابع بسم الله الرحمن الرحيم في هذه المقالات نتناول الآيات التي يقول الله تعالى فيها: "وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (38) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)". مريم ونحن الآن نتوقف مع الآيتَين الآخرتَين. ولعل يوم الحسرة الأكبر هو يوم القيامة، حين يكون الملك للرحمن، وهو يوم الفصل يفصل الله فيه بين العباد، وهو يوم الجزاء، إذ أن الصالح والطالح يفرق بينهم يومئذٍ… . ولكن الله سبحانه وتعالى لا يترك شأن الدنيا، فهو سبحانه وتعالى الحي القيوم، فإنّ للظالم يوما قريبا في الدنيا قبل الآخرة، وطريق الفسق مليءٌ بالبلايا، ولقد أهلك الله الأمم بفسقها و...

السرطان

بسم الله الرحمن الرحيم فكرة من القرآن الكريم تعرض علاجا للسرطان العلاج بذبذبة الصوت كما أهلكت عاد بصوت الصفير السرطان هو عبارة عن نمو مفرِط لخلايا الجسم، وهو خطِر إذا كان في منطقة حساسة كالدماغ، ولكنّ الله تعالى لم يترك الناس ضعفاء أمام المرض، ولكنه سبحانه أنزل لكل داء دواء، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ما أنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِن داءٍ إلَّا أنزَلَ معه شِفاءً -وقال عَفَّانُ مَرَّةً: إلَّا أنزَلَ له شِفاءً -عَلِمَه مَن عَلِمَه ،وجَهِلَه مَن جَهِلَه ". أخرجه النسائي في(السنن الكبرى)(6863)أوله في أثناء حديث ،وابن ماجه (3438)باختلاف يسير مختصراً ،وأحمد (4334) واللفظ له إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، والعذاب المنزّل من عند الله لا يرده الإنسان، ولا تنفعه حين العذاب آلهة أو تكبر نما في القلوب من علم أو صناعة، فالله سبحانه خلقنا، ولن يعجزه هلاكنا، وهو خبير بذنوبنا ويصبر علينا ،بل يفيض علينا الرزق والنعم. ولنا في هلاك الأمم عبر وآيات، ومنها ما قد تجده مفيدا في علاج السرطان، فلقد أهلكت عاد بريح صرصر عاتية، وأهلكت أقوام أخ...

حسبنا الله ونعم الوكيل الجزء الأول

  حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوكيل الجزء الأول بسم الله الرحمن الرحيم الله ربنا يكفينا عما سواه، وهو وكيلنا نعتمد عليه في قضاء حوائجنا فتقضى بإذنه، وندعوه نطلب النفع فينفعنا، ونطلب رفع الضر فيرتفع، وهو الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والولد، فمن كان الله سبحانه وتعالى ربه، فهو في غير حاجة لغيره، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا. يقول تعالى في سورة مريم: "وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (38) وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)" وتتحدث الآيات عن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ودعوته لقومه بالتوحيد، أن الله سبحانه وتعالى ربه وربهم، ...