الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كتاب: خمس من البلايا تهلك الناس، باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى الجزء الخامس
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كتاب: خمس من البلايا تهلك الناس، أولى بالأئمة درؤها
باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في اتباع الهوى (الجزء الخامس)
لقد أمر الله تعالى نبيه داود ـ عليه السلام ـ أن يتحقق من حكمه قبل أن يصدره، ولا يحكم بظاهر الكلام، فلربما اختفت الحقيقة في سياق ما، وظهر الحق بعد إعمال النظر.
يقول تعالى في سورة ص في قصة عن سيدنا داود ـ عليه السلام: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)".
ورد في تفسير القرطبي عند قوله تعالى: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)"، والمحراب هنا الغرفة، ومعنى تسوروا المحراب أي: علوا ونزلوا عليه من فوق المحراب.
فهذان الخصمان تعدوا الحدود وتطاولوا بعضهم على بعض، وكان أصل الإشكال أن أحد الإخوة غني له مال، والآخر ليس له مال إلا نعجة واحدة، فقال أكفلنيها، فظن الفقير أنه طامع فيما لديه رغم قلته، وهو أخوه، فبدل بالعطف الكره، وقد تجد أن الأخ أنكر ذلك، فذهبوا لسيدنا داود ـ عليه السلام ـ يبتغون الحكم الصحيح.
والفتنة التي ربما وقع فيها سيدنا داود ـ عليه السلام ـ والتي أدركها، فخر ساجدا، أن الأخ الغني أراد أن يتم نعجاته مائة حزمة واحدة، وذلك حاصل من وراء فتنة المال، كما يقول ربنا سبحانه وتعالى: "وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)".
وسيدنا داود ـ عليه السلام ـ ظن بأن هذا الأخ قد طغى على أخيه، إلا أنه أدرك الفتنة وخر راكعا راجعا إلى الله تعالى، ولربما ظن الأخ المثري أن نعجة أخيه سترعى مع غنمه لا تكلفه ولا تضره، وأنه سيوفي أخيه من اللبن واللحم، ولربما زاد، وليتفرغ أخوه، ولا ينشغل بواحدة، ويتكسب من وراء عمل كصنعة أو تجارة.
وهناك في الآيات كلمات عن الحكم بين الناس، وهي:
أن يكون الحكم بالحق، أي بالصواب الذي يوافق الحقيقة، فمعنى حقَّ الأمرُ: صحّ وثبت وصدق.
والنهي عن الشطط في الحكم، فلا يجور القاضي ويميل، والأصل في الشطط البعد، من شطت الدار أي: بعدت، فلابد للحكم أن يكون مصيبا ليس به شطط، والشطط مخالفة الإصابة والبعد عنها.
وكذلك النهي عن اتباع الهوى، كما ظن سيدنا داود ـ عليه السلام ـ أن الأخ أراد الدنيا فظلم أخاه.
وكذلك فإن الحكم المصيب الذي بني على الحق يهتدي به الناس ويرضونه، كما قال الخصمان "واهدنا إلى سواء الصراط" أي: الطريق المستوية، وقد يقصدان أن الحكم المصيب سيصلح من شأنهما، وسيعيد الود، أو بمعنى آخر سيعيدهما على الطريق الصحيح.
وهذه دعوة للرجوع للعلم والحكمة في كافة المواقف التي تعرض للإنسان، سواء كان ذلك في الشأن العام أوالخاص.
فإذا مرض الولد لجأ الوالد للطبيب، وهو يقول اللهم أنت الشافي، وهو يلزم أولاده بالتعليم، فينشؤوا رجالا ذوي قدر وقيمة.
أما في الشأن العام فلابد من التخطيط، ومثل ذلك الدراسات التي تقام قبل البدء في أي مشروع، ومن مثل ذلك الرفع المساحي لمعالم الأراضي التي تقام عليها المشاريع، وهذا يهيئ لخطوات هامة، فمثلا إذا تحدثنا عن عمليات مد الترع وحفر القنوات لتصل المياه إلى المشاريع الزراعية في الصحراء، فارتفاع الأرض سيقف حائلا دون وصول المياه، ولكن عند رسم خريطة تضاريسية موضِّحَةً البيانات بالأرقام، فإن ذلك سيساعد في تحديد العمق المناسب الذي ستفيض فيه المياه دون الحاجة لمضخات، وعموما ستفيد أعمال مسح معالم المنطقة التي يقام فيها المشروع في حسن التخطيط والتغلب على مشكلة ارتفاع الأرض.
أما توصيل كل هذه الكميات من المياه لمسافة بعيدة باستخدام المضخات سيؤدي إلى زيادة التكلفة الأمر الذي قد يقود إلى توقف المشروع مستقبلا عند عدم توفر المال للإنفاق مع قلة الجدوى.
وكما يقال نحن لا نخترع العجلة، بل نتوقف عند ما أنتجته الحضارة الحديثة لننطلق منه، ومثل ذلك يقال على مشاريع الصوب الزراعية، والتي تستخدم فيها وسائل زراعة حديثة مثل الري بالتنقيط وهو أحد الأنظمة الحديثة والتي تستخدم في الزراعات المحمية والتي تتيح توفير المياه لكل نبات بالكمية المناسبة وفي المواعيد المناسبة.
وكذلك هناك ما يسمى بجهاز مراقبة ومتابعة الصوب الزراعية، وهو جهاز إلكتروني يعمل على جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالبيئة الداخلية للصوبة الزراعية، يقوم الجهاز بتحليل وقياس العديد من العوامل المختلفة مثل درجة الحرارة والرطوبة ومستوى ثاني أكسيد الكربون وكمية الضوء، ثم يقوم بعرض هذه البيانات على المزارعين في شكل رسوم بيانية أو جداول، مما يساعدهم على اتخاذ القرارات الصحيحة بشأن الري والتسميد والتهوية والتحكم في الآفات والأمراض، مما يؤدي إلى تحسين إنتاجية المحاصيل.
ولعل الكلمة التي سمعناها من آبائنا عن تربية الكائنات الحية أنها "أرواح" قد تعني: أن أعمال استزراع السمك أو تربية المواشي يجب أن تحاط بالرعاية، والرعاية ليست فقط بالطعام والشراب بل بتطبيق العلوم الحديثة والمراقبة الفنية التي تتميز بملاحظة البيانات لاتخاذ الإجراءات المناسبة.
وهنا تبرز أهمية إشراك القطاع الخاص في المشاريع القومية، وذلك للاهتمام بمشاريع الاستزراع السمكي والحيواني، فقد تجد في القطاع الخاص الخبرة اللازمة لتوفير الرعاية مع تواجد الخبرة الفنية.
تعليقات
إرسال تعليق