الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كتاب: خمس من البلايا تهلك الناس، أولى بالأئمة درؤها
باب: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فصل في الأمر بالحكم بما أنزل الله تعالى
لقد أنزل الله تعالى ذكره الشرع على أنبيائه ورسله، وأمر كل المتبعين أن يتحاكموا بما أنزل الله تعالى، وأن يلجؤوا لما أنزله الله يسترشدون به في هداية الناس، فالناس دون هدى الله سبحانه في ضلال، والمجتمع الذي يؤمن بما أنزله الله تعالى ويسترشد بهداه ويتحاكم لشرعه لهو مجتمع صحيح سليم قوي مترابط.
يقول تعالى في سورة المائدة: "سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)".
ورد في تفسير الطبري: قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء اليهود الذين وصفتُ لك، يا محمد، صفتَهم، سَمَّاعون لقِيل الباطل والكذب...
عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن " السحت "، قال: الرشى. فقلت: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.
عن مسروق، وعلقمة: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: هي السحت. قالا في الحكم؟ قال: ذاك الكفر! تم تلا هذه الآية: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ". سورة المائدة: 44
"سماعون للكذب"؛
معنى أنهم سماعون للكذب أن هذا الكذب لا تستنكره قلوبهم، وهذه المعصية هي قرينة معصيتهم الأخرى وهي أكلهم السحت، والسحت هو أخذهم الرشى أو هو الكسب غير المشروع في التجارة، كأن يغالي التاجر بما لا يستحق.
وهذا مما يضعف جماعة المسلمين، إذ أن القلوب فيها تفرقت، فهناك من القلوب من لا ينكر الكذب والباطل، بل يرتضيه.
وأما قوله تعالى: "وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا":
الإنسان الذي يستطيع أن يرشد الخلق ويدلهم، فإن هذا واجب عليه لابد له أن يقوم به، فإن لم يفعل كان ذلك سوء في قلبه يضره، فيؤذيه في بدنه وعيشته، فمعنى الضُّرُّ: الْهُزَالُ وَسُوءُ الْحَالِ، ومعناه: شدّة وبلاء وسوء حال.
ولكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لن يضره إعراضه عن الحكم بين اليهود، وذلك لأن اليهود لديهم التوراة فيها حكم الله تعالى، ولكنهم يتركونها كما قال تعالى في الآية التالية: "وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)"، وهذه الآية الكريمة تعظ اليهود بأن يتحاكموا إلى ما أنزل الله تعالى عليهم في التوراة من شرع وحكمة ونور وهدى.
ومعنى "الذين أسلموا": الذين خلصوا من الشرك والريبة، الأمر الذي يعني استقامة أحكامهم وموافقتها للشرع، دون ميل.
وعن قوله تعالى: "بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"؛
ومعنى استحْفَظَهُ أي: ائتمنه عليه، ومنه في التنزيل العزيز: "بِمَا اسْتُحفِظُوا مِنْ كتِابِ اللهِ" المائدة آية 44، حَفظَ العِلْمَ والكلامَ: ضبطه ووعَاه.
أي أنهم هم من يستخرجون الأدلة من النصوص المقدسة، ويقومون بالإخبار عن الأحكام الموقوفة أي الواردة فيما أنزل الله تعالى عليهم.
ومعنى "وكانوا عليه شهداء"، فمعنى الشهود هو الحضور والمعاينة، فهم يدركون أي مواقف الحياة تتحدث عنها آيات الكتاب، أو يدركون الحكم التي تحملها المواضع في الكتاب، وما فيها من أحكامٍ وأقضيةٍ وعبر.
ومعنى "فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا" أي: واجهوا العصاة بالنهي عن الذنوب والآثام، فلا تخشوهم أن تخبروهم بما هم فيه من ضلال، وأن تعلنوا أمر الله ونهيه وتصرحوا به رغم العصاة. ولا تنكروا ما جرّم الله على الناس كشرب الخمر والزنا والسرقة والسحت والربا، خوفا من الجناة، أو طمعا في بعض ما في أيديهم، فلا تخبروا جانيا أنه في سعة من أمره طمعا في ماله، فذلك هو الثمن القليل الذي تباع به الآيات.
ورد في تفسير الطبري عن هذا الموضع؛
عن مجاهد: "أو أعرض عنهم"، يهودُ، زنى رجل منهم له نسبٌ حقير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمَّمُوه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقهم. قال: فأفتاهم فيه بالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم بالله: أتجدونه في التوراة؟ فكتموه، إلا رجلا من أصغرهم أعْوَرَ، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه لفي التوراة!
وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في قتيل قُتل في يهود منهم، قتله بعضهم.
عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضيرُ أشرفَ من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير، قُتِل به. وإذا قتل رجلٌ من النضير رجلا من قريظة، أدَّى مئة وَسْقِ تمرٍ. فلما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَتَل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا! فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فنـزلت "وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط".
ونستمر مع ما ورد في تفسير الطبري:
ثم اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو ثابت اليوم؟ وهل للحكام من الخيار في الحكم والنظر بين أهل الذمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثلُ الذي جعَل لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟
فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم، لم ينسخه شيء، وللحكام من الخيار في كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعَله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال آخرون: بل التخيير منسوخٌ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة أن يحكُم بينهم بالحق، وليس له ترك النظر بينهم.
عن عكرمة والحسن البصري: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، نسخت بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ. سورة المائدة: 49.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية.
وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ، زَعموا أنه نسخ بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ، وقد دللنا في كتابنا: كتاب البيان عن أصول الأحكام، أن النسخ لا يكون نسخًا، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا. وقال أبو جعفر ما دلالته أن الآية لا تنفي السابقة، فقوله تعالى: "فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ"، لا ينفيه قوله تعالى: "فاحكم بينهم بما أنزل الله".
فقد تؤول الآية كالآتي: فاحكم بينهم بما أنزل الله إن اخترت أن تحكم بينهم، وهذا يدل على عدم نفي الآية الأخرى.
وليس هذا نسخا بل تأكيدا على لزوم الحكم لشرع الله تعالى، وهو كذلك في كل الأحوال، وليس عند الحكم بين أهل الكتاب وحدهم.
وقال أبو جعفر أن هذه الآية تدل على مثل الذي دلَّ عليه قوله تعالى: "وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط".
تعليقات
إرسال تعليق