بسم
الله الرحمن الرحيم
القرآن لمن يعلم
إن الله تعالى
لا يقول الكلمة في القرآن إلا وهي إحدى فروع شجرة مثمرة بها من الثمار الكثير،
يقتطفها من يراها، من يعلم كيف يتسلق شجرة القرآن، ويَبْتَدِئ تسلق الشجرة بتعلم
لغة العرب، وإن ما فيه يعلمه من دخل الناحية من النواحي التي يتكلم فيها القرآن؛
فمن تعلم عِبر التاريخ علم سلوك الطواغيت في الإفساد، وحينها يرسل الله لهم
المنذرين، فيستطيع أن يفهم أوامر الله التي توجِّه رسلَه، وكذلك يفهم القول الذي
يذكر أفعال الطغاة المعادين. وكذلك من تعلم العلوم المادية كالأحياء والمناخ
والفضاء، تجده يفهم ما يرد في القرآن من آيات تعبر عن آيات الله في الخلق مما
حولنا. وغير ذلك من الآيات التي تذكر علوما بعينها ......
فكل كلمة منه
لمن عرفها نورا يعرف به الحقيقة، التي تتموضع في قلبه، فلا يرتاب من دينه، بل
تزيده إيمانا واتباعا.
وقد جاء ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام: "قَدْ جَاءَكُم
بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ
فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ
الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
" ومحل شاهدنا هو قوله تعالي: "ولنبينه لقوم يعلمون"، فتَعَلُّم
المعارف أصل لفهم القرآن.
كما يُبَيِّن
الله تعالى في الآيات أن البصائر التي أتت منه تعالى فيها كل الإقناع بالدين،
فاستعمال مادة البصر تدل على مدى ما بلغته هذه الآيات من صدق، فهي بصائر تُرِي القلب
نور الهداية، كما ينفتح البصر فيميز بين الأشياء بالنور.
وآيات الله
سبحانه وتعالى مثل البصر؛ تبصّر بمواضع الشر لتجتنب، وتلتمس النور الذي يقود إلى
كل خير، بكلماتها المعدودة. وهنا تبرز أهمية الفهم الصادق الخالص من الخلط لآيات
القرآن، فبدونها لا يستطيع الإنسان أن يسير في حياته، بل سيكون في تخبط وتصادم مع
حقائق الحياة، فهو لا يراها، بل يكون فريسة سهلة للشر والشيطان.
ويظهر معنى إن البصائر
للذين يعلمون؛ فما دامت الكلمات الربانية تضرب في الجذور، ذلك أن الله يعلم كل شيء
مهماً كان، فتأتي الكلمة في أفضل مواضعها، فمن صدقت معرفته بهذا الحقل الذي فيه
الكلمة استطاع أن يفهمها، وحينها يكون قد أبصر ببصيرة ثاقبة، ما برح يرتفع بها.
دعونا نمثل على
ما قلنا بأن القرآن لمن يعلم بمثالَين من آيات الكتاب؛
أولهما؛
قوله تعالي: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً
وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ
وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ
الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)"يونس، ومما ذُكِر في الآية يمكن قول الآتي:
إن الشمس والقمر
بل والأجرام السماوية المختلفة يمكننا أن نفهم ونلاحظ حركتها، وما علينا هو أن
نقوم بإجراء الحسابات المُؤَسَّسَة على حساب آثار هذه الأجرام ـ ومنها الشمس
والقمر ـ التي نلتمسها في حياتنا، أو التي نتوصل إليها بأدواتنا، ومن أمثال الحساب
الفلكي ما نراه بائنا في صناعة ما يسمي بالمِزْوَلَة الشمسية؛
المزولة الشمسية
ـ وتسمى كذلك بالـرخامة ـ أداة توقيت نهاري، تتكون من عدة نقاط وخطوط، رسمت على
صفيحة عريضة، وفي وسطها عصا مستقيمة رأسية يتحدد الوقت من طول ظلها الناتج عن وقوع
أشعة الشمس عليها، حيث تترك ظلا متحركا على النقاط والخطوط. من أقدم آلات قياس
الوقت لأن تاريخها يرجع إلى عام 3500 قبل الميلاد، استخدمها المسلمون قديما في
المساجد لتحديد أوقات الصلوات.
هذه المزولة
تستخدم الزوايا عوضا عن الساعات والدقائق والثواني، وتَغَيُّر ظل هذه العصا يعتمد
على موقع الشمس عند الوقت المعين في النهار أولا، ويعتمد ثانيا على؛ زاوية سقوط
أشعة الشمس عليها، فالشمس ليست نَصَفَا في السماء، بل هي منحرفة إلى أحد الجانبين،
وهذا ما سبب ميل شعاعها، والشعاع الشمسي غير العمودي له أثر مختلف على الظل، فظل
العصا لا يتغير في خط مستقيم، بل يتنوّع تَغَيُّره.
وعند تسجيل
مواقع الظل على مر السنين على هذه النقاط والخطوط نتعرف على الوقت بالنسبة للشمس، فهذا
الوقت أصلا مرتبط بالشمس، فعندما يتواجد الظل عند النقطة والخط المُعَيَّنَين يكون
الوقت هو الظهيرة بتمامها، أو قبلها بكمية عددية مميزة بالتمييز المستخدم في وقتها،
إن شئت قلت بدقيقتين أو بنصف الساعة. وهذا هو حساب الوقت المبني على ملاحظة الشمس
وحساب ظلها المعتمد علي موقعها، كما قال تعالي في آية سورة يونس المذكورة سابقا عن
الحساب الفلكي.
المثال الثاني؛
يقول تعالى في
سورة النازعات: "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا
وَمَرْعَاهَا (31)" دحا: بَسَط ومدَّ ورقَّق، المَرْعَي: موضع الماشية من
العُشب والكلأ، ما يقتات به النّاسُ والدَّوابُّ من النَّبات.
هل وافق ما
وردنا من العلم ما جاء في هذه الآية؟ وأعني بهذا السؤال قوله تعالى: "أخرج
منها ماءها ومرعاها"، هناك من أقوال العلماء الحديثة ما أجده قد وافق ذلك، فهم
يقولون؛
وفي بادئ الأمر
كانت الأرض منصهرة؛ معنى أنها كانت منصهرة أنها تكونت من نار كمثل التي نراها في
البراكين، بل البراكين هي نار الأرض التي تبقت تحت قشرتها، ويدلنا ما يخرج من هذه
البراكين على تَكَوُّن سطح الأرض في بداية تكونه.
وهم كذلك
يلاحظون أن الذي يخرج من البراكين منه بخار الماء واللافا ومنها لافا ثقيلة داكنة
اللون: وهي لافا بازلتية، وتتميز بأنها سائلة ومتحركة لدرجة كبيرة، وتنساب في شكل
مجاري على منحدرات البركان، وحين تنبثق هذه اللافا من خلال كسور عظيمة الامتداد،
فإنها تنتشر فوق مساحات هائلة مكونة هضاب فسيحة، ومثلها هضبة الحبشة وهضبة الدكن
بالهند وهضبة كولومبيا بأمريكا الشمالية.
فنحن نعتمد هنا
على قولهم بأن الأرض كانت نارا، ثم إن شاهدنا الأول علي الذي ورد في الآية أن ما
يخرج من نار الأرض أو هذه البراكين هو بخار الماء، ويقول فيه العلماء؛ وقد تكونت
المحيطات من تكثف بخار الماء.
وبهذه الطريقة أخرجت
الأرض الماء، وقد تكونت الأنهار من هذا البخار، وإن كان بطريقة غير مباشرة؛ فالشمس
تبخر هذا الماء من المحيطات والبحار، ثم يسقط مطرا يجري في الأرض أنهارا وعيونا.
ولكن ماذا عن
المرعى؟ المرعى مكان النبات الذي تأكله الدواب، ويطعمه الإنسان والطير، أو قل هو
إحدى مقومات الحياة، وقد قلنا في نقلنا السابق: أن هضاب كمثل هضبة الحبشة هي من
تكوينات بركانية، من تلك اللافا التي تخرج من نار الأرض، ونذكر أن الطمي الذي شكل
دلتا النيل في مصر يأتي من هذه الهضبة، وهذا هو المرعى الذي خرج من باطن الأرض، وهذا
هو شاهدنا الثاني الذي ورد في الآية وهو إخراج المرعى.
بل وقد تكون
قشرة الأرض هذه تكونت من مواد توفرت لها فرص البرودة، وقد يكون منها ما هو مثل هذه
اللافا خرج من النار ليكون هذه القشرة.
لكن هناك أصل قد
يسبق كل هذا هو علم اللسان أو علم اللغة العربية، فبدونه يسيء الناس نقل كل ما في
حياتهم، وذلك يضمُّ التاريخ والعلوم، فتعلمه أصل في الحياة، وأصل في فهم القرآن،
فالقرآن أنزل معجزا بلغته، وإعجازه بما فيه، وكيف هو ما فيه هو الدليل علي صدقه،
وأنه من جانب عظيم، جانب الله تعالي.

تعليقات
إرسال تعليق