التفسير الذي يعلمه العلماء
التفسير الذي يعلمه العلماء
عودة مع سيدنا
عبد الله ابن عباس ـ رضى الله عنه الذي قال؛
التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته،
وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره. ورد في تفسير الطبري، القول في الوجوه التي من
قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن.
وههنا نتحدث عن
ثالث أنواع التفسير وهو التفسير الذي يعلمه العلماء؛ وقد تكلمنا عن قوله تعالى
"ولنبينه لقوم يعلمون"، ولكن دعونا نلتفت إلى جهود العلماء في التفسير؛
لقد أقبل
المسلمون على كتاب الله من يوم ما أنزل ليفهموه، بل كان الكتاب سبب إيمانهم بالدين
ابتداءً، وهذا الكتاب هو آخذ الألباب، فمن يعيه يعلم قدره، يقول تعالى: "وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ
اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
(101)" البقرة، فالعيب الذي وقع فيه هذا الفريق من أهل
الكتاب أنهم نبذوا كتاب الله بعدما علموا ما فيه، فالعلم بالكتاب أولى بأن يورث
الاعتراف بمكانته بل والتعلق به، وكذلك القرآن علمه يورث اتباعه والتزامه طول
العمر.
ونشاط علماء
المسلمين في تفسير القرآن مستمر طيلة سنين الإسلام، وقد تباينت اتجاهاتهم في التفسير،
فهناك تفسير الرأي والاجتهاد، وهناك التفسير بالمأثور، وهناك التفسير الموضوعي،
والتفسير العلمي، والتفسير الإشاري.
تفسير الرأي،
أو التفسير العقلي؛ هو التفسير بالاجتهاد بعد الوقوف على اللغة وعلومها، وأسباب
النزول، والناسخ والمنسوخ، ....، وغيرها من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر،
ودرسنا التطبيقي يحوي من الآراء والاجتهادات الشخصية الكثير، ما فيه جاذبية للعقول
تجاه دراسة وتأمل القرآن، عسى أن ينفتح لهم بابٌ في فهم القرآن والوعي منه وكذلك
الاجتهاد فيه في ضوء مجهودات العلماء.
التفسير بالمأثور:
ما نقل عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، أو أصحابه ـ رضى الله عنهم ـ أو
التابعين، مِن كل ما هو بيان لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.
فائدة عن تبيين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
لمقاصد الكتاب؛
يقول تعالى:
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا
رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)"النحل.
وكذلك يبين
الله تعالى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبين للكتاب، فكما يقول العلماء؛ سنة
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تأتي مثبتة للقرآن مؤكدة لما فيه، وفي هذه الحالة تكون
المقارنة بين الآية والحديث آلة لزيادة الفهم، فالآية والحديث الذي يؤكدها هما على
اختلاف في الكلمات وفي الأسلوب، وكذلك تأتي السنة مفسرة للقرآن...
الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحكم بما يرى:
ومن أشد الآيات تدليلا على مكانة السنة من القرآن، وأنها تطبيقا له،
قوله تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا
(105)". النساء
عللت الآيات إنزال الكتاب بأن يحكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين
الناس بأحكام هي عنده ـ صلى الله عليه وسلم ـ كالمعاينة، والسبب المقنع للنبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ ولنا من بعده بهذا الكتاب هو أنه أنزل بالحق، فبمعرفة حقه
وحقيقته يحدث العلم به، وحينها يحصل الإيمان بدين الله، وهذا الحق النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ أعلم الناس به، فهو عنده ـ صلى الله عليه وسلم ـ كالمعاينة
المفصلة كما قلنا.
ورُوِي عن عُبَيْدِ
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَة: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ
يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَجْوَدَ
النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ
جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ
رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ـ عَلَيْهِ السَّلَام ـ أَجْوَدَ
بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ." سنن
النسائي الصغرى
» كِتَاب الصِّيَامِ » بَاب الْفَضْلِ وَالْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
فالحق الذي في القرآن يظهر للعيان بدراسته، وأقولها على الحقيقة أي أن
له حقا معاينا، كما أخبر تعالى عن نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يحكم بما يرى
ويعاين من الحق الذي أتاه مما أنزل الله عليه.
وقال تعالى: "أنزلنا إليك"، ولم يقل: "عليك" ليدل
بذلك على أن ما في الكتاب واصلا له ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو يعيه ويفهمه، وقال تعالى
إليك بهمزة القطع ليدل على توقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند آياته، كما
تتوقف تلك الهمزة عند النطق.
فعلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو حق اليقين؛ الذى يحدث
بالمعاينة وحسن العلم، وهذه هي نفسها دلالة قوله تعالى: "لتحكم بين الناس بما
أراك الله"، فمعنى أنه يحكم بين الناس أي أنه يعلم ما يحكم به وما يحكم فيه،
ثم يكون هذا الحكم بما أراه الله، وهذه هي المعاينة، وكذلك يكون يقين النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ فيما أنزله الله عليه، وفي هذا ردٌّ على من يفتتن في مسألة تحكيم
القرآن دون السنة، كما في الحديث الذي يُرْوَى عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل
شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما
وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من
السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن
لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراهم." سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم
السنة.
والشاهد في هذه الآية سابقة الذكر التي يقول فيها الله تعالى: "إِنَّا
أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا
أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)". النساء، والشاهد فيها
يقول بأن السنة تأتي مفسرة للقرآن، وهذا الشاهد هو؛ أن الكتاب أنزل ليحكم رسول الله
ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين الناس بما أراه الله، فالربط الوارد في الآية بين ما
عنده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين القرآن يدل على أن علم النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ هذا الذي عاينه يستمده من القرآن، فستجد في القرآن أصولا ومجملات ومعانٍ
توضحها السنة.
تعليقات
إرسال تعليق