الإحسان واجب

الإحسان واجب
الجزء الأول
التقى أخوان على الخير، فجمعا مالا، وعزما أن يتَّجِرا به، ولما زاد رأس مالهما، عزما على اقتسام التجارة، ويتفرقا في مكانين مختلفين، فيزداد ربح تجارة كل واحد منهما عن ربحهما وهما مجتمعان معا، وإن في هذا سبيل أن تقل المنافسة بين التجارتين إن اقتربتا، ولم ينس كل أخ أيام مصاحبته لأخيه، فدفعهما ذلك للاجتماع متعاونين على صلاح شأن تجارتهما رغم البعد. 
إن هذا الحب يحي الإنسان، يجعل وجهه مبتسما وسريرته صافية، لكن مكائد إبليس عينها تُبْنَى على أن تهدم ذلك، وإن الدنيا تمتلئ بما تُمَحَّص به الصدور. 
أصيب الناس في زمان صعب بوباء الغلاء، وكسدت كثير من سوق التجارة، إلا أن كل تاجر أمين قد ثبتته جذور أمانته على أرض الحياة في مثل هذا الزمان، بقي الأخان يتاجران، وهما يحمدان الله الذي جازاهما خيرا على شكرهما لنعمائه في ساعة رخائهما، فها هما باقيان في مثل يوم حارّ...
كان الأخ الأصغر به من الحماسة ما جعلته يأخذ مَنْحًا يشبه المغامرة المعدَّ لها، فكان يحضر من السلع ما غلى سعره، وهو يرى أن هامش الربح الكبير يغطي الخسارة، فكل المعروض لا يتم بيعه، ولما حسب ميزان تجارته وجد أن هذا الأمر رابح ناجح، فقرر أن يشرك أخاه في مثل ذلك، فأتاه بسلعة من هذه السلع ليعرضها في حانوته، أخذها الأخ الأكبر على مضض، ولكنه لم يحادثه في ذلك، في المرة الثالثة أخبره ألا يأته بهذا الصنف ثانيةً، ولكنه أتاه به، فكظم غيظه، ولم يرد حتى معاتبته، وفي هذه الأثناء مرض الولد الصغير للأخ الأكبر، وقد أنفق بسبب ذلك مبلغا من المال، ولم ينتظر أخوه طلبه وأعطاه مبلغا يُعِينه به. 
ولكن في ميعاد توريد البضاعة؛ بحسن نية أتى الأخ الأصغر أخاه بهذا الصنف الغالي المستحسن، عسى هذا الربح الذي ارتآه أن يساعد أخاه، وعندما رأى الأخ الأكبر هذا الصنف وردته صورة المتبقي منه الذي يضيع هباءً وانفجر صارخا في وجهه؛ أما أخبرتك ألا تأتني به، إن تجارتي ما عادت تحتمل، وأنا ما عدت أطيق طيشا. حزن الأخ الأصغر وأخذ النوع، وهو يعلم أن الفاقد سيضاعَف وسيخسر مبلغا من المال. 
بقت العلاقة فاترة عما كانت عليه من قبل، ولكن الشركة التي تنتج هذه البضاعة بعدما قدرت رواجها قررت أن تخفض سعرها، ولأن الأخ الأصغر يذكر ما دار بينه وبين أخيه، لم يأته بالنوع رغم أن سعره قد انخفض، وعندما فحص الأخ الوارد إليه لم يجد فيه هذا الصنف، وكان قد علم بانخفاض سعره، فذهب مسرعا لأخيه يلومه، فقال له بنبرة غضب؛ لما لمْ تحضر لي هذا النوع الحسن وقد انخفض سعره!! ولكن هذه النبرة لم تعجب الآخر فقال مهموزا؛ ألست أنت من أقام المناحة عندما أتيتك به آخر مرة، والآن تأتي لتسألني عنه! استحي قليلا! فقال الآخر كذلك مهموزا؛ من الذي لم يستح من حق الأخوة ونسي الآخر، ولم يرد خيره! 
فهم من بعد ذلك على افتراق ....

الإحسان واجب
الجزء الثاني
بعد الإشكال والفرقة وصل الخبر لعمهما، وقد علم أن ذلك فعل الشيطان، فذهب لشيخ عالم وتوسطا في الصلح، واجتمع الأخان والوجوه فيها من العبوس، افتتحا الشيخ مجلسه بأن طلب من الجميع أن يقرأ الفاتحة، وبعد ذلك دعا قائلا؛ اللهم هب لنا رحمة منك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلم بها شعثنا، وتعيد بها ألفتنا. وهو يؤَمِّن والحضور من وراءه، فتحولا وجها الأخوين للانبساط، ثم طلب من الأخ الأكبر أن يقول ما عنده، فبدأ يحكي المشاحنة، ولكن الشيخ استوقفه، وطلب منه أن يحكي ما اجتمع عليه مع أخيه، فلما قصّ ذلك، فاضت كثير من العيون ممن يدرك فضل الرحم، ثم تلا الشيخ قول الله تعالى: "وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)". وقال كأن الرحم تنادي بنيها أن تقاربوا وتراحموا واعرفوا لي حقي، وكأن ذلك ما كتب عنها في كتاب الله وما قضى الله لها. 
ثم طلب الشيخ من الأخ الثاني أن يقص الخلاف، فقصه وصدّق له أخوه، فقال الشيخ؛ لم يخطئ أحدكما في حق الآخر، بل خطأكما أنكما تبعتما ما دفعه الشيطان بكما. ثم توجه إلى الأخ الأصغر وقال: لم أحضرت له هذا النوع الغالي بعد مرض ابنه؟ فقال: ظننت أنه سيساعده أن يربح مالا وهو في أزمة. قال الشيخ: ولما لم تحضره له بعد أن انخفض سعره. قال: لما دار بيننا سالفا، فلم أرد أن تزداد المشكلة. ثم توجه الشيخ للأخ الأكبر وقال: لما شاحنته عندما أتاك به عند مرض ابنك؟ قال: لأنني كنت سأحتمل خسارتين؛ البضاعة التي لم تكن ستباع ومرض ابني. قال الشيخ: ولم شاحنته عندما لم يأتك بها عندما انخفض السعر؟ قال: لأنه قد كان يأتيني بها غالية، فعجبت لما لم يأتيني بها وقد انخفض سعرها. 
فقال الشيخ مستطردا؛ المشكلة ليست في ذاك ولا ذاك، ولا في تلك ولا تلك، المشكلة أنكما وقعتما في فخ الشيطان عندما نسيتما أن الإحسان واجب لابد وأن يتبع، فلو لم ترفع صوتك على أخيك الأصغر وسألته لما أتيتني بها بعد هذا الذي أصابني، لأجابك بما أجابك الآن، ولربما قبلت منه. وإن هو كظم غيظه، وهدأك وأخبرك بمراده لما زاد الأمر. 
وقال؛ وهو نفسه الحال في الثانية أنكما نسيتما الإحسان، وتوجه للأخ الأكبر وقال: إن أخاك معذور، فأنت من حجزت رغبته أن ينفعك بمشاجرتك معه، وقد تجد صدره كان قد بات في حرج بذلك، فلسان حاله يقول: أأعتبرك يا أخي خير عندي من نفسي وذاك كان هو الرد؟ ثم توجه الشيخ للأخ الأصغر وقال: أوَ تدري أصل الإشكال حين لم تأته بما كنت تأته بعد أن انخفض سعره! قال: لا. قال: أنه لم يتذكر الأمر إلا حينما وجد البضاعة أمامه وقد خلت من هذا المستحسن بعد أن انخفض سعره. 
فطأطأ الأخان رقبتهما، فما كان من الشيخ إلا أن قرأ قوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90). فإن كان العدل في المخاصمات فإن الإحسان في المعاملات، وتظهر لنا الحياة ما نتذكر به قول الله تعالى، فالعلاج في الإحسان والشفاء في القرآن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السرطان

حسبنا الله ونعم الوكيل الجزء الرابع

الاقتصاد الحضري