مقدمة عن العلم في زماننا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة عن العلم في زماننا

إن العلم لم يعد سلعة الزمان، وأحرى بالناس أن يجعلوه كذلك، وقد يكون أساس هذا الابتلاء هو ضياع الاهتمام بطلبة العلم المخلصين، وجعل العلم بضاعة المنزلة بين الناس، وإني لأعني بذلك شهادة تعلق على الحائط، تساعد في زيجة، أو وظيفة يزحف الناس إليها، أما من يريد أن يعكف على العلم، فالطريق أمامه شاقة، وسيلقى الكثير ممن يثبطونه ويقتلون عزمه ابتداء من أمه وأبيه، وإن العاقبة الحقة على ذلك هي ضياع العلم بضياع أهله، وكفي بالله حكما.

ولكني أقول مخلصا، إن أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإنزال الناس منازلهم، فعن ميمون بن أبي شبيب: أن عائشة مر بها سائل، فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة، فأقعدته، فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: " أنزلوا الناس منازلهم "(1)، هذا الحديث الشريف كافٍ للنجاة من ذلك، فإن أُعْطِي العلماء وطلبة العلم حقهم، وهذا هو الأولى في إنزال المنزلة، لاستقام الأمر.

 وعلى ولي الأمر أن يكون منتبها لمخاطر ضياع العلم، بأن يرفع العلماء، وأن يتكفل بطلبة العلم، وأن يبحث عنهم في كل بقعة، وهذا هو الواجب امتثالا لقول الله تعالى: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)" (2)

وحين الإهمال تتقطع السبل بطلبة العلم، فإذ بهم يتركون طلب العلم الذي هو سبيل نجاة الناس في الدنيا والآخرة، وينشغلون بإصلاح أحوالهم، وهم في ذلك على حق، فطلبة العلم لهم حق بل وحاجة إلى زوجة، ولهم حق في عفة بل وغنى، فلا يقولن أحد: "إن هم أصلحوا فأجورهم عند الله، وإن بخل الناس عليهم ثم يتلو قول الله: "وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ(115)" (3)، ولكن هذه الفتوى تقول بأن الذي قالها لم يضع في حسبانه أن للشباب ضرورات، كحاجتهم للزوجة والولد، وهذه الفتاوي لا تنظر لواقع الحياة، الذي هو أصل الفهم الذي ينتج الفتوى، بل وأصل في فهم النص التشريعي.

إن شرور ضياع العلم ترتجف لها الصدور، فمنها؛ ضعف حصن المسلم من إبليس ومن نفسه، وضياع النصح الحكيم، فيقع الناس في المصائب، وضياع حسن إقامة شعائر الدين، وترك أمرها لمن لا يفقه، وظهور قناعات فاسدة لدى الناس، كقولهم هذا ساحر خير، وعدم الاقتناع بعظمة الخطاب الديني، قد ينهي ثقة الناس في أقوال العلماء، فتتبدل قناعتهم، ويظنون الدجالين شيوخا عارفين، ولا يرضون فيهم قولا لأحد مهما كان هذا القائل، وهكذا يزداد البلاء بسبب ضياع العلم وطلبته، فبدلا من شر علاجه في الكتاب، تجد شرورا تضر الناس أشد مضرة، ناهيك عن أمراض القلق والاكتئاب والهم والحَزَن، كذلك فانعدام حسن الإبلاغ لا يصل أربطة الصلة بين المساجد والناس، فلا تمتلئ بهم، بل بفتور الدعوة يُتْرَك الناس بين مخالب الشيطان، يُضَيِّعُون من الصلاة، ويقبلون السوء...

_____________________________

(1) سنن أبي داود» كتاب الأدب» باب في تنزيل الناس منازلهم، قال أبوداود وحديث يحيى مختصر قال أبوداود ميمون لم يدرك عائشة، قال الشيخ ابن الصلاح وفيما قاله أبوداود نظر، فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك، فلوورد عن ميمون أنه قال لم ألق عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه وهيهات ذلك. ورد ذلك في عون المعبود

(2) التوبة (3) آل عمران

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السرطان

حسبنا الله ونعم الوكيل الجزء الرابع

الاقتصاد الحضري