الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتاب خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها باب وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله (2)
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كتاب خمس من البلايا توبق الناس، أولى بالأئمة درؤها
باب وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله (2)
بسم الله الرحمن الرحيم
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ...."، وقال من هذه الخمس: "وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". سنن ابن ماجه» كتاب الفتن» باب العقوبات، 4019
وحكم الله تعالى فيه الرحمة، وبه تغفر الذنوب، وجعلت الحدود كفارة الكبائر، وسن لنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التخفيف فيها، وأن الله تعالى قد يعذب صاحب الحد أو يغفر له، ولكن ينبغي علينا ألا نتوقف هنا، فإن شرع الله به صلاح النفس، وصلاح الإنسان، وصلاح جماعة المسلمين.
فالطهارة والصلاة بهما ينصلح شأن المسلم كل يوم في سره وإعلانه، في نفسه وصدره بداخله، وفي جهره وعمله بين الناس، وباتباعه لدين ربه تعالى؛ فهو يَرِد بهذا الدين نبع الحياة والخير، الذي يقيم شأنه ويصلح حاله.
وبإقامة شرع الله في جماعة المسلمين يقام الأمن والأمان، ويمنع انتشار الفسق والفواحش.
والأسرة المسلمة التي تقام على الطاعة يستقيم حالها، وتمتلئ بالمودة والحب.
والعصيان باب منفتح على المضرة والكُرْه، فمن أراد أن تسلم نفسه فليتق الله ويقيم الصلاة ويقيم شرع الله، وذلك هو الصواب خير من الخمر والمخدرات، وجعلت النجاة والسلامة للفرد والجماعة منتشرة في جوانب هذا الدين الذي أنزله الله هدى ورحمة.
فبئساً لمن استبدل بشرع الله ما دونه من شرائع ضلت عن صراط الله المستقيم!
ويرد الأمر بالحكم بما أنزل الله تعالى في سورة المائدة في قوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)".
فالكتاب نزل بالحق، فمادته التي يتحدث بها هي الحق، فالحق الذي جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو سبب الإيمان الذي يقود الناس للاتباع، وكذلك فإن هذا الرسول الكريم أخبر أنه يأتيه من وحي السماء، ولم ينسبه لنفسه، وهكذا يستقيم الدين، وهو الدين القيم.
ورد في تفسير الطبري:
قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
يقول تعالى ذكره: أنـزلنا إليك، يا محمد، "الكتاب"، وهو القرآن الذي أنـزله عليه، ويعني بقوله: "بالحق"، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله، "مصدقًا لما بين يديه من الكتاب"، يقول: أنـزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنـزلها إلى أنبيائه.
تعليق: قلنا إن القرآن مادته الحق، وهذا ما ورد ههنا أن الله تعالى نزّل الكتاب بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله، فمعنى كذَب: أخبر عن الشّيء بخلاف ما هو عليه في الواقع، عكسه صدَق، فالقرآن الكريم هو كتاب الحق والحقيقة، ويدرك أهل القرآن مما يتبدى لهم من آياته التي يجدون حقها في مسيرهم وسعيهم في هداهم أنه من عند الله تعالى وليس بقول بشر.
ونستمر مع التفسير:
"ومهيمنًا عليه" يقول: أنـزلنا الكتاب الذي أنـزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظا لها.
وأصل "الهيمنة"، الحفظ والارتقاب. يقال إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشَهِده: "قد هيمن فلان عليه".
تعليق على المعنى اللغوي للهيمنة؛ الرجل يحفظ الشيء فهو يدافع عنه، ويرقبه فهو يلاحظه ويشاهده، فالقرآن إذ يهيمن على ما بين يديه من الكتاب فهو يدافع عنه، ويخبر عن الذي فيه من الحق، وقد تجد أن ذلك يعني أنه يرقب ما ورد فيه بالتفصيل ويدافع عن آياته بتفصيلاتها، فمسيرة القرآن والكتب السابقة تتلاقى عند المواضع رغم كثرتها وتفصيلها.
نستمر مع التفسير:
وقال بعضهم: معناه: أمينٌ عليه. عن ابن عباس: "ومهيمنًا عليه"، قال: مؤتمنًا عليه.
تعليق: معنى أمين عليه أنه يحفظه، فلا يحدث له تحريف، كما يحفظ الرجل الشيء من الضرر، إذا كان مؤتمنا عليه.
عن ابن عباس قوله: "ومهيمنًا عليه"، يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب.
تعليق: معنى يحكم على ما قبله من الكتب أي أنه يصحح فهم معانيها، ويمنع الفهم الخاطئ أو الملتوي.
وقال آخرون: معنى "المهيمن"، المصدق.
قال ابن زيد في قوله: "ومهيمنًا عليه"، قال: مصدِّقًا عليه. كل شيء أنـزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق.
تعليق: ومعنى صدَّق فلانًا/ صدَّق بفلان: اعترف بصدق قوله آمن به وأيدّه، ضدّ كذَّبه. وعلى ذلك فمعنى أن القرآن مصدق للكتب قبله أنه يؤيد ما جاء فيها، ويخبر بحقها، وأن ما نزل قبله نزل ومادته الحق أيضا.
والآيات التي تسبق ما معنا تتحدث عن الكتابين اللذين بين يدي اليهود والنصارى وهما التوراة والإنجيل، وأمر الله تعالى لأهل هذين الكتابين أن يحكموا بما أنزل الله فيهما.
وفي هذا يقول تعالى: " وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)"، ويقول كذلك: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)"، الآيتان في سورة المائدة.
ويقول تعالى في سورة البقرة: "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)".
فقد قضى الله بالاختلاف بين الناس وجعلهم شعوبا وقبائل، وكذلك من الاختلاف أنْ أمرَ اليهود بالاحتكام للتوراة وفيها حكم الله تعالى، وكذلك النصارى بالاحتكام للإنجيل، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى عليه.
ولا ننسى أن نذكر أن هناك مبدأ فقهي يتحدث عن شرع ما قبلنا، وهو يُعَرَّف بأنه تلك الأحكام الشرعية المقررة في شرائع الأنبياء والرسل السابقين، والتي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بنص القرآن أو بصحيح السنة، ولم يلحقها ناسخ من شريعة الإسلام.
فيتحصل من هذا أن العمل بشرع من قبلنا عند المالكية يتوقف على شروط منها اثنان ضروريان، وهما؛ أن يَرِد الحكم في القرآن أو في صحيح السنة، والثاني هو ألا يلحق
بهذا الحكم ناسخ من شريعة الإسلام.

تعليقات
إرسال تعليق